قلت: أنا في الحُبِّ طاغيةٌ

قلت:

أنا في الحُبِّ طاغيةٌ ** ومسكينٌ لهُ يُرْثَى

فإنْ تحرِمهُ تنكيلًا ** تذكَّرْ نفسَهُ الغَرْثَى

وإنْ ترحمْ على وَعدٍ ** برُشدِ القلبِ ذُقْ نَكْثَا

ومِنْ عَجَبٍ ضَنَى نفسي ** وقدْ شَقِيَتْ بهِ حَرْثَا

تُذيقُ الظُّلمَ مَنْ تهْوَى ** وقدْ ناءتْ بهِ ضِغْثَا

أنا في الحُبِّ مجنونٌ ** يُقاسِي الموتَ والبَعْثَا

الحب مجتمَع الأضداد؛ في الحب من الأثرة؛ مثل الذي فيه من الإيثار.

أيها الغائبُ عني إنني **

أيها الغائبُ عني إنني ** علمَ اللهُ لمشتاقٌ إليكْ

فإذا هَبَّ نسيمٌ طيبٌ ** أنا ذاكَ الوقتَ سلمتُ عليكْ

قال: في صدري شَوْقٌ وفي قلبي تَوْقٌ وبينهما حنينٌ؛ إلى صديقٍ أسيرٍ، كم أشتهي بلاغَه تلهُّف روحي إليه ولا أدري كيف! قلت: توكل على الله في إبلاغه عنك، وربُّك الله أقدرُ وكيلٍ على ما وُكِل إليه.

يُسخِّر الله الريح لقلبك -على قدْر توكُّلك وحبِّك- فتجري بأمره رُخاءً حيث أصاب؛ فإذا أصاب (أراد) قلبُك إبلاغَه سلامًا؛ فما على أحَنِّ الوكلاء -تبارك ودُّه- بعزيزٍ، وإذا أصاب إبلاغَه شوقًا؛ فما على أمَنِّ الوكلاء -تعالى برُّه- ببعيدٍ؛ لكنِ اصدُق الله في توكُّلك عليه وفي حبِّك أخاك، وإنه بالمُوَلَّهين لطيفٌ.

عن عبد الله بن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لمَّا أصيب إخوانكم بأحدٍ؛ جعل الله أرواحهم في أجواف طيرٍ خُضرٍ، ترِد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ معلقةٍ في ظل العرش، فلما وجدوا طِيب مأكلهم ومشربهم ومَقيلهم؛ قالوا: من يبلِّغ إخواننا عنا أنا في الجنة نُرزق؛ لئلا يزهدوا في الجهاد ولا يَنكُلوا في الحرب! فقال الله -عز وجل-: أنا أبلِّغهم عنكم، فأنزل الله: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ”.

يكون أخوك على شفا حفرةٍ من عذاب الطغاة فينقذه الله بدعوةٍ صِدِّيقةٍ من قلبك، أو يعذبونه فلا ينالون من دينه وعزمه ما يريدون؛ بركعتين في جوف الليل صلَّيتهما ابتغاء نجاته، أو يؤنس الله فؤاده ذاتَ وحشةٍ عصَرَته عصرًا؛ بعطفٍ من روحك على والده ووالدته وولده؛ كلَّ ذلك يفعل الله عنك وكيلًا.

ربَّاه بلِّغ كل أسيرٍ عن والديه وزوجه وولده ومحبيه؛ ما يجدون في صدورهم من حرارات الهوى، وما يحسُّون في قلوبهم من أوجاع الجَوى؛ أنت بحال المحب إذا عجز عليمٌ، وبباطنه إذا ضعُف خبيرٌ.

بعض ضِيق الصدور؛ من بعض

بعض ضِيق الصدور؛ من بعض ضِيق البيوت.

قد كانت الأرض كلها حلالًا لأهلها؛ حتى جاء الطغاة فحرَّموها عليهم.

اللهم ارزقنا بيوتًا واسعةً لا تضيق فيها صدورنا فتسوء أخلاقنا، وضيِّق على من ضيَّق علينا.

يفعل هذا الجزء من هذا

يفعل هذا الجزء من هذا الحديث بقلبي وعيني الأفاعيلَ إخوتي؛ حبيبي يا أبي.

روى مسلمٌ -رحمه الله- عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يجمع الله -تبارك وتعالى- الناس يوم القيامة، فيقوم المؤمنون؛ حتى تُزْلَفَ لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا؛ استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم! لست بصاحب ذلك”.

لا يا أبت، لا يا حبيبي، لا يا سيدي؛ لقد قُرِنت خطيئتك بتوبتك، ثم قُرِنت الخطيئة والتوبة بمغفرة الله؛ فصارت خطيئتك قدَرًا مقدورًا، قامت به حياة بنيك أجمعين من ألِف الدنيا إلى ياء الآخرة، لا تُحْصَى حِكَمُ الله في ذلك ولا تُسْتَقْصَى؛ فلا تبتئس أبي الكريم؛ صلى عليك من كرَّمك تكريمًا وسلم تسليمًا.

“وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم!”؛ كم في هذه الكلمة -يا أبت- من كمالاتك البشرية وكمالاتك النبوية! كمُل أبي بشرًا فقَوِي على قولها لأبنائه -بلا ترددٍ- جريئًا بريئًا، وكمُل نبيًّا (ملأ الله قلبه عبوديةً؛ حتى لم يُبْقِ من نفسه بقيةً)؛ فقالها؛ بكمالاتك أبي أستعين ربي على كمال التأسِّي.

“وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم!”؛ هو المخصوص بخمسٍ ليست لغيره من الأنبياء؛ “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ”، “وَعَلَّمَ آدَمَ”، “اسْجُدُواْ لِآدَمَ”، “لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ”، “وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي”؛ لكنَّ غضب الرَّبِّ في هذا اليوم ليس كمثله غضبٌ؛ فليكن خوفه منه في هذا اليوم ليس كمثله خوفٌ.

“وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم!”؛ يا أبناء هذا الأب النبيِّ النبيل؛ ألستم بآبائكم بررةً! كيف بأبيكم الأول! هلمُّوا إلى وجع أبيكم بين يدَي باريكم يوم تلاقيكم، أقِرُّوا عينه -يوم يقول لكم قِيلَه- بإيمانٍ وصالحاتٍ؛ هنالك تُبْهِجُون مُهْجته، وتغيظون عدوَّه القديم، وتدخلون تحت جَناحه الجِنان.

“لست بصاحب ذلك”؛ أَإِلى ما قبلَ الجنة بخُطوةٍ تُفيدون أتباعكم -معشر الأنبياء- حقائق العبودية على وجهها! تُعلِّمونهم بعض ما جبلكم الله عليه من رواسخ التجرُّد لوجهه الأعلى! المؤمنون مؤدَّبون بررةٌ بأبيهم يستفتحون به باب الجنة، وأبوهم آدَبُ وأبرُّ مع الله يردُّ الأمر إلى من يَعلَمه خيرًا وأزكى.

اللهم أنت ربي وهذا أبي؛ هَبْنِي يوم تبعثني إليه، وارزقني لذلك عُدَّةَ برٍّ ووفاءٍ.

عشت دهرًا أحسب أن الذي

عشت دهرًا أحسب أن الذي في قارورة الشيشة الزجاجية السُّفلى؛ جازًا.

كنت أفكر تفكيرًا بريئًا صامتًا؛ هذا الفحم بأعلى الشيشة لا يشعله إلا جازٌ من تحتها.

سَبَّبَ كتابة هذا رؤيتي -اليوم- فتاةً! تدخِّن الشيشة؛ فسالت نفسي ابتئاسًا.

لست حديث عهدٍ بكوكبكم هذا؛ لكني -بقدرٍ من الرحمن- لم أفقد شعوري بمُوجعاته.

مهما رأيت هذا المشهد؛ سأظل آسَى، سأظل حانقًا، سأظل ألعن الجاهلية.

ما أبرِّئ فتاةً ولا فتًى من معاصي الله؛ لكنَّ بيني وبين الجاهلية ثاراتِ إغوائهم بها.

#في_حياة_بيوت_المسلمين. ما أحسنتْ إلى ابنتها

#في_حياة_بيوت_المسلمين.

ما أحسنتْ إلى ابنتها أمٌّ لا تعوِّدها الحجاب شيئًا فشيئًا؛ مُحبِّبةً مُرغِّبةً، وبَغَتْ على ابنتها أخرى تعوِّدها كشف محاسنها حريصةً على ذلك؛ كأنما أُمرتْ به من الله أمرَ إيجابٍ فالمغبونة لا تفرِّط فيه!

يا نساء المؤمنين؛ إن الله محاسبٌ بناتكن -إذا بلغن المحيض- على فرائضه؛ كما يحاسبكن، فإذا جرت أقلام التكليف عليهن -بعد بلوغهن- ولم يُعوَّدن التزام حدود الله قبله؛ فبئس ما قدَّمتم لهن حقًّا.

“علِّموا أبناءكم الصلاة لسبعٍ”؛ عامٌّ هو أمرُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل فريضةٍ يُسأل فيها الأبناء بعد بلوغهم؛ ذلك فِقْهُ الذين أوتوا العلم، وفطرةُ الذين صان الله قلوبهم أن تضل وتَخزى.

ترى كثيرًا ممن يفرِّطن في هذا ملتزماتٍ! شقَّ عليهن آباؤهن في التكاليف صغيراتٍ فتطرَّفن في الجهة الأخرى كبيراتٍ، فوسَّعن -غيرَ واعياتٍ- ما ضيَّق الله، ونِعْمَتِ السعة والله ما ضيَّق الله.

ما الخمار صورةً من قماشٍ تواري به الحرائر ما حقُّه الإكْنان؛ بل هو حقيقةٌ من حقائق الستر الجميل، لا للمرأة وحدها؛ بل للجماعة المسلمة كلها، ولَبِنَةٌ من لَبِنَات بناء حياءٍ حفيظٍ شيَّده الإسلام.

كل بنتٍ تولد على التستر؛ فطرةَ الله التي فطر البنات عليها، ثم إذا شاء الآباء رعاية فطرة الله حقَّ رعايتها فعلوا ولهم الحسنى من الله، وإن شاؤوا فرَّطوا فيها فجَرَت عليهم في التفريط سنة الله.

“الحجاب حجاب القلب”؛ كذلك يقول المتهتكون الدُّعَّار، يحفرون بين الظاهر والباطن خنادقَ تردمها حقائق الوحي والفِطَر والواقع كل ساعةٍ ردمًا، فأما الأطهار فيعلمون ما لله من قوانينَ بينهما.

“وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينهما ارتباطٌ ومناسبةٌ؛ فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أمورًا ظاهرةً، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال يوجب للقلب شعورًا وأحوالًا”؛ ابن تيمية.

المؤمنون يدخلون في دين الله كافةً، والمنافقون يضربون بعضه ببعضٍ، يقول الأولون: الحجاب في ظُلَلٍ من العقائد والشرائع والأخلاق، ويقول الآخرون: المحجبات خيرٌ أم المثقفات السافرات!

الإناث والثناء؛ يفعل الإطراء في نفس الأنثى فعل السِّحر، وليس ذلك بعيبٍ فيها، إنما البَلِيَّة أن تُنَشَّأ الأنثى على ثناءٍ زائفٍ بمحاسن جسدها؛ هنالك تذْبُل محاسنها القلبية والعقلية في نفسها وتُذْوَى.

هي هي المفرِّطة في حجاب ابنتها، وما بين يديه وما خلفه من معاني الستر الجميل والحياء الحفيظ؛ مَن تُفيق على درجةٍ من صفاقة ابنتها لم تخطر على قلبها يوم فرَّطت فيه؛ ولاتَ حينَ مناصٍ.

يا نساء الإسلام؛ هذا حرفٌ لا يزيِّن العنف في تعويد بناتكن هذه الشريعة الحسناء؛ بل يذكِّركن أن الخير عادةٌ، وأن الستر بالتستر، وأن حق الحياء الذي صوَّر الله البنات عليه الحفظُ والحراسة.

عن صادق الوعد إسماعيل؛ صلَّى

عن صادق الوعد إسماعيل؛ صلَّى الإله عليه وعلى آله.

“وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا”.

لِعقلك أن يبلغ عنان السماء تفكُّرًا؛ بمَ استحق إسماعيل امتداحَ الله السرمديَّ بهذا!

“إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ”؛ بهذه الشَّميلة بدأ الله قبل ذكر الرسالة والنبوة؛ فإن كمالات الأنبياء البشرية سابقةٌ كمالاتِهم الرسالية، ولو كانت النبوة كَسْبًا لا وَهْبًا لبلغ الأنبياء رُتبتها مطمئنين، ولو لم يَصِرِ الأنبياء أنبياء لكانوا أكمل الناس نفوسًا وأخلاقًا، ولَمَا استحق الرِّيادة قبلهم أحدٌ في العالمين.

“إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ”؛ قيل: وعد رجلًا أن يلقاه بموضعٍ فلم يجئ، فانتظره يومًا وليلةً، وقيل: ثلاثة أيامٍ، وقيل: بنى مسكنًا له بالموضع وانتظره سنةً! تلك الدرجة من تمكِّن المكارم في الأعماق هي التي تعجب الله فيزكِّي بها أصحابها؛ فأما الغُثاء المُطبِّلون فيتقارضون المديح بَيْعَ الرِّمَم للذِّمَم.

ذهبَ الرجالُ المُقتدَى بفعالهمْ ** والمنكرونَ لكلِّ أمرٍ منكَرِ

وبقيتُ في خَلَفٍ يُزيِّنُ بعضُهمْ ** بعضًا ليدفعَ مُعْوِرٌ عنْ مُعْوِرِ

“إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ”؛ كل مدحٍ زائفٍ إلى زوالٍ مهما طال، واعتبر بابن عبد الناصر الخاسر في الدهر “جمال”، وانظر كيف تهاوت أمجادُه المُخلَّقة بالدَّجل والإكراه نصفَ قرنٍ بئيسٍ في أيامٍ معدوداتٍ؛ بأَلْشٍ عابرٍ! “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً”، وإنْ أبقاه الله حتى يُفتن بالقسط المفتونون.

لا يدركُ المجدَ إلا سيِّدٌ فَطِنٌ ** لِمَا يَشُقُّ على السَّاداتِ فعَّالُ

لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلُّهمُ ** الجُودُ يُفقرُ والإقدامُ قتَّالُ

“إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ”؛ بصيرةٌ من الله إلى طالبي الأمجاد بالمجَّان، وهي عامةٌ في المؤمنين والكافرين، من أعطى لمَحْمَدةٍ من الأخلاق نفسَه كلَّها، وأنفق عليها من حُرِّ وقته وأصل قوته وخالص كدْحِه ورأس ماله؛ أعطاه الله في الدنيا ما شاء من عوائدها، ويبقى ثواب الآخرة لمن آمن بها.

أمَا والذي لا يَعلمُ الغيبَ غيرُهُ ** ويُحيي العظامَ البِيضَ وهيَ رميمُ

لقدْ كنتُ أطوي البطنَ والزادُ يُشتهى ** مخافةَ يومًا أنْ يُقالَ لئيمُ

بهذه العجائب وأشباهها جعل الله الخُلْد لذكر حاتمٍ الطائي في العالمين، وترك عليه الثناء بالسخاء في الآخِرين؛ حتى نُسِب إليه الكرم وعُرِّف به الكرماء، وقد كان بالله كافرًا لا يجُود ابتغاء مرضاته، ونحوُه ابنُ جدعان؛ سنةَ الله فيمن فَنِيَ فيما أحبَّ إلى أن تقوم الساعة، والله خير الشاكرين خَرْجًا.

توفيق عكاشة والخليل كوميدي، وأشباههما من المبيدات البشرية القاضية على ما بقي من ضَآضِئنا؛ بذلوا لأنفسهم -بأبوال الأقوال وأغواط الأفعال- ما لو قُسِم على أمةٍ من جَعْجَاعي الحق لوَسِعَهم، قال قائلٌ: أَبِعَتَهِ مخسوفي الخلق تضرب المثل! قلت: فأروني مَثَلَكم أنتم أيها السادة الحُكماء.